كمال الدين دميري

41

حياة الحيوان الكبرى

ركبت بحر المغرب فوصلت إلى موضع يقال له البرطون ، وكان معنا غلام صقلي معه صنارة فألقاها في البحر فصاد بها سمكة نحو الشبر فنظرنا فإذا خلف أذنها اليمنى مكتوب لا إله إلا اللَّه وفي قفاها محمد وخلف أذنها اليسرى رسول اللَّه . وفي كتاب تحفة الألباب لأبي حامد الأندلسي الغرناطي ، ان في بحر الروم سمكا صغيرا كالذراع يسمى التلب إذا أخذ وأمسك ما شاء اللَّه لا يموت بل يتحرك ويضطرب ، وإذا جعل منه قطعة على النار ، وثب خارج النار وربما أصاب وجوه الناس ، وإن جعلت سمكة منه في قدر وغطي رأسها بصخرة أو حديدة لئلا تخرج منها فما لم تنضج لم تمت ولو قطعت ألف قطعة . فوائد : روى الإمام أحمد ، في الزهد ، عن نوف البكالي ، قال : انطلق رجل مؤمن ورجل كافر يصيدان السمك ، فجعل الكافر يلقي شبكته ويذكر آلهته فتمتلىء سمكا ، ويلقي المؤمن شبكته ويذكر اسم اللَّه تعالى فلا يصطاد شيئا . قال : ففعلا ذلك إلى مغيب الشمس ، ثم إن المؤمن ، اصطاد سمكة فأخذها بيده فاضطربت فوقعت في الماء ، فرجع المؤمن وليس معه شيء ورجع الكافر وقد امتلأت سفينته ، فأسف ملك المؤمن وقال : رب عبدك المؤمن الذي يدعوك رجع وليس معه شيء ، وعبدك الكافر رجع وقد امتلأت سفينته . فقال اللَّه عز وجل لملك المؤمن : تعال ، فأراه مسكن المؤمن في الجنة . فقال : ما يضر عبدي هذا المؤمن ما أصابه بعد أن يصير إلى هذا . وأراه مسكن الكافر في النار ، فقال : هل يغني عنه من شيء أصابه في الدنيا ؟ قال : لا واللَّه يا رب . ومنها في آخر صفوة الصفوة عن أبي العباس بن المسروق ، قال : كنت باليمن فرأيت صيادا يصطاد السمك على بعض السواحل وعلى جانبه ابنة له ، كلما اصطاد سمكة تركها في دوخلة معه ، فتردها الصبية إلى الماء فالتفت الرجل فلم ير شيئا فقال : يا بنية أي شيء صنعت بالسمك ؟ فقالت : يا أبت سمعتك تروي عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أنه قال : « لا تقع سمكة في شبكة إلا غفلت عن ذكر اللَّه » فلم أحب أن آكل شيئا غفل عن ذكر اللَّه . فبكى الرجل ورمى بالصنارة . ومنها ، في كتاب الثواب ، عن نافع عن ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما ، أنه كان مريضا فاشتهى سمكة طرية فالتمست له بالمدينة ، فلم توجد حتى وجدت بعد كذا وكذا يوما فاشتريت بدرهم ونصف ، وشويت وحملت له على رغيف ، فقام سائل على الباب فقال للغلام : لفها برغيفها وادفعها إليه . فقال الغلام : أصلحك اللَّه اشتهيتها منذ كذا وكذا يوما ، فلم نجدها فلما وجدناها واشتريناها بدرهم ونصف أمرت أن ندفعها له نحن نعطيه ثمنها ، فقال : لفها وادفعها إليه فقال الغلام للسائل : هل لك أن تأخذ درهما وتدع هذه السمكة ؟ فأخذ منه درهما وردها ، فعاد الغلام وقال له : دفعت له درهما وأخذتها منه فقال له : لفها وادفعها إليه ، ولا تأخذ منه شيئا ، فإني سمعت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يقول : « 1 » « أيما امرئ اشتهى شهوة فرد شهوته وآثر بها على نفسه غفر اللَّه له » . ومنها ما روى الطبراني ، بإسناد صحيح ، عن نافع ، أن ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما اشتكى فاشتهى عنبا فاشترى له عنقود عنب بدرهم ، فجاء مسكين فقال : اعطوه إياه فخالف

--> « 1 » رواه ابن عدي في الكامل 5 / 1778 .